محمد جمال الدين القاسمي
29
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الذي يذكرونه ويشكرونه قريب منهم ، ومجيب لهم إذا دعوه ، ثم تمم ما بقي من أحكام الصوم . قال الرازيّ : إنّ السؤال متى كان مبهما ، والجواب مفصّلا ، دلّ الجواب على أنّ المراد من ذلك المبهم هو ذلك المعيّن . فلما قال في الجواب فَإِنِّي قَرِيبٌ علمنا أنّ السؤال كان عن القرب والبعد بحسب الذات ، أي كما صرّحت به الرواية السابقة . والقريب من أسمائه تعالى الحسنى . ومعناه القريب من عبده بسماعه دعاءه ، ورؤيته تضرّعه ، وعلمه به ، كما قال : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] وقال وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] وقال ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [ المجادلة : 7 ] . قال الإمام تقيّ الدين ابن تيمية ، عليه الرحمة ، في عقيدته الواسطية : ودخل - فيما ذكرناه من الإيمان باللّه - الإيمان بما أخبر اللّه به في كتابه ، وتواتر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأجمع عليه سلف الأمة . من أنّه سبحانه فوق سماواته على عرشه ، عليّ على خلقه . وهو معهم سبحانه أينما كانوا . يعلم ما هم عاملون . كما جمع بين ذلك في قوله هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ، يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها ، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . وليس معنى قوله وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ أنه مختلط بالخلق ، فإنّ هذا لا توجبه اللغة . وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة . وخلاف ما فطر اللّه عليه الخلق . بل القمر - آية من آيات اللّه - من أصغر مخلوقاته ، وهو موضوع في السماء ، وهو مع المسافر أينما كان . وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه . مهيمن عليهم ، مطلع إليهم . إلى غير ذلك من معاني ربوبيته . وكلّ هذا الكلام الذي ذكره اللّه من أنّه فوق العرش ، وأنّه معنا - حقّ على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة . ودخل في ذلك : الإيمان بأنه قريب من خلقه ، كما قال تعالى وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ . . . الآية . وفي الصحيح عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » : إنّ الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته . وما ذكر في الكتاب والسنة - من قربه ومعيته - لا ينافي ما ذكر من علوّه وفوقيته . . ! فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته . وهو عليّ في دنوّه ، قريب في علوّه . . ! انتهى كلامه ، رحمه اللّه تعالى .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، حديث 46 عن أبي موسى الأشعريّ .